حسن بن موسى القادري

317

شرح حكم الشيخ الأكبر

وقال في مواضع أخرى فيه : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ البقرة : 67 ] . وقال أبو يزيد البسطامي قدس سره : « العارف هو الذي لا يرى في نومه غير اللّه ، ولا في يقظته غير اللّه ، ولا يطالع غير اللّه » . وسيأتي من الكلام الشيخ قدس سره في هذا الكتاب أن العارف لا يرتقب غير اللّه ، ولا يسمى عارفا باللّه إلا من أبصر الحق وناجاه ، وهو موافق لما قاله أبو يزيد البسطامي قدس سره وهذا ؛ لأن للمعرفة مراتب الأولى أن يرى الآثار كلها من الفاعل المطلق ، والثانية أنه إذا رأى أثرا من الفاعل المطلق يتيقن بأنه نتيجة آية صفة من صفات الحق تعالى ، والثالثة أنه يعرف مراد الحق في كل صفة من صفاته ، والرابعة أن يرى صفة علم اللّه في صورة معرفته ، ويخرج نفسه من دائرة العلم والمعرفة بل من دائرة الوجود أيضا ، ولهذا ذكر الشيخ العارف في مواضع متعددة بأنواع مختلفة . وقال أبو إسحاق النهرجوري : « العارف هو الذي لا يتأسف على شيء غير اللّه إذ لا وقوف له مع غير اللّه » وقال إبراهيم الأدهم رضي اللّه عنه : « العارف هو الذي أكثر خواطره في التفكر والعبرات ، وأكثر أقواله في المدح والثناء ، وأكثر أعماله في الطاعات والرياضات ، وأكثر نظره في لطائف المصنوعات والمقدورات » . وقال الغزالي رحمه اللّه تعالى : « العارف من عرف اللّه بأسمائه وصفاته ، وصدق مع اللّه في معاملاته ، وطال من القلب في الباب اعتكافه ، وصار من كل الخلق أجنبيا ومن آفات نفسه بريئا ، ومن الأخلاق الرديئة نقيا » . وعلى الكل العارف مشروط بكونه وليا ، ومع هذا لا يكون وليا إلا بعد العلم التام نقلا وعقلا ؛ لأنه ما اتخذ اللّه وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه ، فالولاية مشروطة بالعلم لكن ينبغي أن يعلم أن المراد بالعلم الذي معه العمل ، ويمكن أن يراد العلم اللدني المنتج للمعرفة فتأمل . ولما كانت للحروف مراتب كالهوية المطلقة ، ولها عوالم وأطوار وخواص وأسرار وغير ذلك مما أودع اللّه فيها من العجائب والغرائب ، فهي المظهر لاختلاف الأشكال والمباني إذ منها النظم ، ومنها النثر ، ومنها الحكم والنهي ، ومنها الأمر .